ابن ميمون

251

دلالة الحائرين

يب [ 12 ] المقدمة الثانية عشرة : ان كل قوة توجد شائعة في جسم ، فهي متناهية لكون ذلك الجسم متناهيا . « 31 »

--> ( 31 ) ذلك : ك ، - : ت ج ( الشرح ) : اعلم أن القوة من حيث هي هي مغايرة للمقدار الجسمي فهي في حد ذاتها ليست بذات مقدار وإنما تتقدر بمقدار الجسم ، لكونها شائعة في أجزائه ، فلما تبين أن كل جسم فهو متناهي المقدار ، والقوة مقدرة بمقدار الجسم بالعرض فمقدارها إنما هو مقدار الجسم ، فتكون متناهية المقدار أيضا كالحرارة فإنها تكون مقداره بمقدار الجسم إذ يوجد في كل جزء من الحرارة فتكون متناهية المقدار ضرورة . واعلم أن الفائدة في إثبات التناهي للقوى الجسمانية بحسب تناهى محالها إنما هي إثبات التناهي في التحريكات الصادرة عنها ليثبت أن القوى الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية ، وفي هذا فوائد كثيرة ، وخصوصا في إثبات المجردات كما سيأتي . فنحن نريد أن نبحث عنه ونبرهن على أن القوى الجسمانية متناهية في أفعالها فنقول إن القوة لما لم تكن في حد ذاتها ذات كمية فلا يحمل عليها . التناهي أو اللاتناهي - الّذي يراد به العدول دون السلب اللذان هما ليسا من خواص الكم إلا باعتبار تعلقهما بما يكون ذا كمية ، وذلك إما الجسم الّذي هو محلها أو التحريكات التي تصدر عنها . أما الأول فقد ذكرناه ، وأما الثاني وهو أن يحمل عليها التناهي أو اللاتناهي باعتبار القوى فذلك عن ثلاثة أوجه : الشدة والعدة والمدة . مثال الشدة هو أن يكون أحد الراميين أسرع رمية بعد اتحادهما في المسافة والشروع في الرمي ، ومثال العدة أن يكون أحد الراميين أكثر عددا في الرميات على التوالي ، ومثال المدة هو أن يكون أحد الراميين أطول زمانا في الرمي إلى الجو بعد الاتحاد في الشروع ، فلنبين أن القوة لو اشتد تحريكها للجسم اشتدادا بغير نهاية فإما أن تقع تلك الحركة في زمان أولا في زمان ، والقسمان باطلان فبطل اللاتناهي بحسب الشدة . أما فساد القسم الأول فلأن الحركة كلما كانت أشد وأسرع في مسافة معينة كان زمانه أقصر فلو كان في زمان لأمكن فرض حركة أخرى قاطعة لتلك المسافة المعينة في زمان أقصر من ذلك الزمان ، فكانت تلك الحركة أشد من الحركة المشتدة بغير نهاية فحينئذ يلزم انقطاع الحركة الغير المتناهية من الجانب الّذي هي غير متناهية بحسبه فلا تكون غير متناهية هذا خلف . وأما فساد القسم الثاني فلأن كل حركة فهي على مسافة فتكون الحركة إلى نصفها قبل الحركة إلى تمامها فتكون واقعة في زمان فثبت تناهى القوى الجسمانية بحسب الشدة ، وأما بيان تناهيها بحسب العدة والمدة فلأن تلك القوة إما أن تكون طبيعية ، أو قسرية فإن كانت طبيعية كان قبل الجسم الأكبر للتحريك مثل قبول الجسم الأصغر ، لأنه لا معاوقة فيهما للتحريك الطبيعي ، بخلاف التحريك القسري فإن الجسم الأكبر يكون أعصى عن قبوله من الجسم الأصغر ، فإذا حركت القوة جسمها حركات غير متناهية عدة ومدة ، وحرك جزء تلك القوة بعض ذلك الجسم من مبدأ واحد فاما أن يكون تحريك الجزء متناهيا أو غير متناه ، والثاني محال وإلا لكان أثر بعض القوة مثل أثر كلها وهو محال ، إذ في كل القوة ذلك الجزء وزيادة فكيف يمكن ذلك ، وأنت تعلم أن الجسم كلما كان أكبر مقدارا كان أقوى تأثيرا ، فاعتبره